«قضية اللاجئين السوريين» التي أعادت التوتر بين المغرب والجزائر

دخلت الأزمة بين المملكة المغربية والجزائر منعطفا جديدا مع صدور تصريحات متفرقة عن مسؤولين جزائريين، تدعو إلى قطع العلاقات مع الرباط على خلفية الاتهامات المتبادلة بين الجارين في ما بات يعرف بـ «قضية اللاجئين السوريين» العالقين في الحدود المشتركة بين البلدين.
الدعوة إلى قطع العلاقات كان أبرزها ما جاء على لسان فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية الجزائرية لحماية وترقية حقوق الإنسان، الذي دعا نظام بلاده إلى اتخاذ «موقف صارم» تجاه المغرب، من خلال قطع العلاقات الدبلوماسية معه، معتبرا ما أسماها «استفزازاته الأخيرة الصادرة تجاه الجزائر بشأن الرعايا السوريين» تصرفات «نابعة من بلد عدو وليس بلدا جارا وشقيقا».
قسنطيني قال أيضا «إنه يتعين التفكير في قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، الذي فبرك هذه القضية من أجل ابتزاز الجزائر من جديد، وهو موقف يأتي لينضاف إلى قائمة الابتزازات السابقة»، مضيفا: «يجب أن يفهم الطرف المغربي أنه يتعين عليه احترام الجزائر ولهذا علينا تبني اللغة التي يفهمها».
المسؤول الجزائري ذاته أشار إلى أن «الجزائر تحكمها قوانين لا يمكن التغاضي عنها وزيارتها يجب أن تتم وفقا لتشريعاتها، ورغم ذلك فهي لم تتقاعس عن مد يد العون للاجئين السوريين، وبذلت جهودا كبيرة في هذا الاتجاه، وربما يتعين عليها بذل المزيد من خلال تحسين مستوى مراكز الاستقبال وزيادة عددها، مشددا على ضرورة أن تحترم سيادة الجزائر، وأن تسير الأمور وفقا للقوانين المنظمة للبلاد وليس وفقا لمنطق الفوضى».
وارتفعت حدة التوتر بين الجارين منذ أيام مع إعلان الجزائر قرارها استدعاء السفير المغربي في العاصمة الجزائرية، ردا على تصرف مماثل قامت به الرباط، وقال بيان لوزارة الشؤون الخارجية الجزائرية إنه تم إبلاغ سفير المغرب «رفض الجزائر التام للادعاءات التي لا أساس لها من الصحة التي تذرع بها المغرب بشأن الطرد المزعوم من قبل السلطات الجزائرية لرعايا سوريين نحو التراب المغربي».
وفي تصريح نقل عن عمار بلاني- المتحدث باسم الخارجية الجزائرية- قال إنه «تم لفت انتباه الدبلوماسي المغربي إلى أن الجزائر تستنكر بشدة هذا الاستفزاز الجديد ذي خلفية سياسية، وتأسف كثيرا لهذه المحاولة الجديدة وغير المبررة لتوتير علاقة سبق أن تضررت كثيرا في شهر نوفمبر الماضي خلال الاعتداء على القنصلية الجزائرية بالدار البيضاء».
ونفت الجزائر، نفيا قاطعا ترحيلها لرعايا سوريين يوجدون على أراضيها في اتجاه المغرب، فيما منع حرس الحدود الجزائري في غرب البلاد دخول رعايا سوريين إلى الجزائر. وهو ما كذبته الرباط حيث أكدت أن اللاجئين السوريين، دخلوا إلى المغرب، عبر الحدود البرية المشتركة، ما بين المغرب والجزائر، عبر قريتي القْنَافْذَة وأولاد عَيَادْ، (حوالي 13 كيلومترا عن مدينة وجدة).
وعرضت مصادر أمنية مغربية صورا لجوازات سفر اللاجئين السوريين تحمل أختاما المنافذ الحدودية الجزائرية ومن ضمنها صور لجوازات تحمل ختما رسميا من مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة، ويعود لتاريخ 24 يناير الجاري بعد وصول اللاجئين عبر رحلات جوية من مطار دمشق، وسط استمرار للعلاقات الثنائية بين الجزائر ونظام بشار الأسد في سوريا.
وكان مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، كشف أن استدعاء وزارة الشؤون الخارجية والتعاون للسفير الجزائري تم «بهدف إبلاغ استياء المغرب الشديد من خطوة ترحيل السلطات الجزائرية لأزيد من 70 مواطنا سوريا نحو التراب المغربي خلال الفترة مابين 26 و28 يناير الجاري».
وأوضح الوزير في لقاء صحفي عقب انعقاد الاجتماع الأسبوعي لمجلس الحكومة الأخير، أنه تم إبلاغ السفير الجزائري، وبوضوح «استياء المملكة العميق من هذا التصرف اللاإنساني، خاصة أن الأمر يتعلق بنساء وأطفال يوجدون في وضعية بالغة الهشاشة، وأن على الجزائر تحمل مسؤولياتها كاملة في هذا الأمر».
وأشار الخلفي إلى أنه تم بمجرد ترحيل هؤلاء المواطنين السوريين، العمل على تمكينهم من المساعدة الفورية والعلاجات الطبية الضرورية في المنطقة الحدودية، مضيفا أن التعامل مع المواطنين السوريين المرحلين من الجزائر يجري «وفق المنظومة القانونية التي تؤطر السياسة الوطنية في مجال الهجرة.»
وعمدت السلطات المغربية إلى نصب خيام لاستقبال اللاجئين السوريين على الشريط الحدودي البري مع الجزائر، حيث يتم تقديم المساعدات الطبية الأولية والضرورية لهم، في وقت تم التأكيد على أن الرباط تميز ما بين احتجاجاتها الدبلوماسية على الجزائر في ملف ترحيل اللاجئين، وبين تقديم المساعدات الإنسانية الضرورية للاجئين، مذكرة بأن الرباط لم يسبق لها أن رحلت أو اعتقلت أي لاجئ سوري.
وتعليقا على الفصل الجديد من التوتر بين الرباط والجزائر قال طارق أتلاتي- رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية- إن الموقف الصادر عن رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية الجزائرية لحماية وترقية حقوق الإنسان، هو تعبير ضمني عن موقف النظام الجزائري الذي لا تستطيع التعبير عنه بشكل رسمي، لأن قرارا بهذا الشكل سيكون ملزما لها في الاتفاقيات الدولية. مضيفا أن مثل هذه التصريحات المتفرقة التي تصدر عن مسؤولين شبه رسميين، ولا يلزم الدولة، هو فقط إطار للتعبير عن عدم رضا النظام عن موقف المملكة وفيه رسالة مبطنة تفيد بأن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي عند هذه الضربة –إن صح التعبير- التي ألحقتها الدبلوماسية المغربية بنظيرتها الجزائرية.
أتلاتي قال أيضا إن التصرف الجزائري الأخير هو تعبير عن موقف النظام من المملكة المغربية في هذه الظرفية الدقيقة، التي عرفت زيارة المبعوث الأممي، كريستوفر روس، للجزائر كانت فيها رسائل واضحة وغير مشفرة للجارة، وهو تصرف يحمل بعدين رئيسيين، أولهما أن المغرب أظهر حقيقة الجزائر التي تدعي احتضانها للاجئين وحماية حقوقهم على مستوى جبهة البوليزاريو، والمغرب أعطى بالدليل حقيقة النظام الجزائر، الذي يعتبر اللاجئين ورقة للضغط إما للتجارة أو على المستوى الحدودي في المنظومة الإقليمية بصفة عامة، وبالتالي الجزائر استوعبت الرسالة واعتبرت أن هذه نقطة إيجابية سجلتها الدبلوماسية المغربية، وبالتالي كان من المفروض أن يكون رد الفعل عنيفا وهذا معروف عن النظام الجزائري حين تخسر معركة في حربها ضد المغرب».
أتلاتي يضيف أن « مثل هذه التصريحات المتفرقة تعتبر أمرا عاديا، خاصة أن الجزائر تعتبر بأن الحرب مع المغرب هي حرب باردة مفتوحة لا تنتهي، والوصول إلى قطع العلاقات هو مجرد مزايدات، لأن قرارا بهذا الحجم ليس بيد الجزائر على مستوى التداعيات الإقليمية، ولهذا فردود الأفعال الجزائرية لن تقف عند هذا الحد وستبقى مستمرة، وهذا ما يعطي أحقية المغرب في الدفاع عن مصالحه وحقوقه واتهامه للجزائر بشكل مباشر في تعمدها القيام بعدد من المضايقات، ليس فقط على مستوى الحدود، بل على مستوى عدم الرغبة في المساعدة على إنهاء النزاع حول الأقاليم الجنوبية للمملكة».